بقلم / عادل حويس
في الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990 لا تبدو المناسبة هذا العام مجرد استعادة عابرة لمحطة تاريخية مضيئة في الذاكرة الوطنية بل تأتي محملة بقدر هائل من الأسئلة الوجودية والهواجس المصيرية التي تثقل حاضر اليمن وتضع مستقبله أمام مفترق طرق بالغ الخطورة.

فالوحدة التي مثلت ذات يوم حلما جماعيا ومشروعا وطنيا استثنائيا أصبحت اليوم تواجه أخطر التحديات منذ إعلانها في ظل واقع سياسي وعسكري مضطرب وانقسامات عميقة ومشاريع صغيرة تحاول العبث بجغرافيا الوطن وهويته الجامعة مستفيدة من حالة الإنهاك التي خلفتها سنوات الحرب والانهيار.

لقد كانت الوحدة اليمنية أكبر من مجرد اتفاق سياسي بين قيادتين أو تفاهم مرحلي بين نظامين إذ جاءت تتويجا طبيعيا لنضالات طويلة خاضها اليمنيون في الشمال والجنوب على حد سواء مدفوعين بإيمان راسخ بأن اليمن وطن واحد مهما تعددت الأنظمة واختلفت الظروف.
ولهذا لم يكن يوم الثاني والعشرين من مايو حدثا عابرا في سجل السياسة بل لحظة تاريخية استثنائية انتصرت فيها إرادة الشعب على الجغرافيا المجزأة وسقطت خلالها الحواجز النفسية والسياسية التي حاولت لعقود تكريس واقع التشطير والانقسام.

لقد أدرك اليمنيون آنذاك أن الوحدة لم تكن خيارا سياسيا قابلا للمساومة بقدر ما كانت ضرورة وطنية وتاريخية تفرضها حقائق الهوية المشتركة والتاريخ الواحد والمصير المتداخل. ولهذا استقبلها الشعب بفرحة عارمة غير مسبوقة باعتبارها بوابة لبناء دولة حديثة تتسع للجميع وتطوي صفحات الصراع والانقسام والتخلف غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن اختلالات عميقة رافقت التجربة سواء نتيجة سوء الإدارة أو تغليب المصالح الضيقة أو الفشل في بناء شراكة وطنية حقيقية قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية وهو ما أتاح للقوى المتربصة باليمن أن تنفذ من تلك الثغرات لتضرب المشروع الوطني في عمقه.

واليوم وبعد مرور ستة وثلاثين عاما على إعلان الوحدة يجد اليمن نفسه أمام مشهد بالغ القسوة دولة ممزقة ومؤسسات منهارة واقتصاد يحتضر وجغرافيا تتنازعها الولاءات والمليشيات ومراكز النفوذ المتعددة.
لقد تحولت أجزاء واسعة من البلاد إلى مناطق نفوذ مغلقة تتقاسمها قوى الأمر الواقع بينما يرزح المواطن تحت وطأة الفقر والخوف والحرمان وانعدام الأفق والأسوأ من ذلك أن مشاريع التمزيق لم تعد مجرد شعارات سياسية معزولة بل تحولت إلى وقائع تفرض بالقوة وسط دعم إقليمي ودولي ملتبس وصمت يثير الكثير من علامات الاستفهام.

وفي خضم هذا المشهد المعقد يبرز التناقض الواضح في مواقف بعض القوى الإقليمية التي تعلن في خطابها الرسمي دعمها لوحدة اليمن واستقراره بينما تشير الوقائع على الأرض إلى دعم مباشر أو غير مباشر لقوى وتيارات تعمل على تعميق الانقسام وتغذية النزعات المناطقية والانفصالية.
إن هذا السلوك المزدوج لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تباين في الرؤى السياسية بل يمثل إسهاما خطيرا في إطالة أمد الأزمة اليمنية وتعقيد فرص الحل كما أنه يهدد بتقويض المرجعيات الدولية التي أكدت مرارا على وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.
والحقيقة التي يبدو أن كثيرين يتجاهلونها هي أن استقرار اليمن ووحدته لا يمثلان مصلحة يمنية فحسب بل ضرورة استراتيجية لأمن المنطقة بأسرها.

فاليمن بحكم موقعه الجغرافي وثقله السكاني وامتداده التاريخي يشكل عمقا استراتيجيا للخليج والجزيرة العربية وأي انهيار دائم فيه لن تبقى تداعياته محصورة داخل حدوده بل ستمتد لتطال أمن الملاحة الدولية وخطوط التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي بشكل عام.
إن يمنا ضعيفا وممزقا لن يكون سوى بؤرة مفتوحة للصراعات والفوضى والتدخلات الخارجية وهو ما يجعل الحفاظ على وحدته مسؤولية جماعية تتجاوز حدود السياسة الآنية والحسابات الضيقة.

ورغم كل ما أصاب مشروع الوحدة من تشوهات وإخفاقات فإن الحل لا يمكن أن يكون بالعودة إلى التشطير أو تمزيق البلاد إلى كيانات هشة ومتصارعة لأن التجارب أثبتت أن الانقسامات لا تنتج أوطانا مستقرة بل تفتح أبواب الاحتراب والتبعية والتدخلات الخارجية على مصاريعها.
إن معالجة أخطاء الماضي يجب أن تتم عبر إصلاح مسار الدولة وبناء عقد وطني جديد قائم على العدالة والشراكة والإنصاف لا عبر هدم الكيان الوطني وتمزيق ما تبقى من نسيجه الاجتماعي والسياسي.

إن اللحظة الراهنة تتطلب من كافة القوى الوطنية بمختلف انتماءاتها وتوجهاتها أن ترتفع فوق الحسابات الصغيرة وأن تدرك أن استمرار حالة التشظي الحالية يهدد وجود اليمن ذاته لا مجرد شكل الدولة أو طبيعة النظام السياسي.
فالوطن اليوم يقف على حافة هاوية حقيقية ولم يعد هناك متسع للمزايدات أو تصفية الحسابات أو الرهانات الخارجية وما لم تتوفر إرادة وطنية صادقة لإنجاز مصالحة شاملة تعالج جذور الأزمة وتعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة فإن الجميع سيكون خاسرا في نهاية المطاف.

إن ذكرى الثاني والعشرين من مايو يجب ألا تتحول إلى مناسبة خطابية للاستهلاك السياسي أو اجترار الشعارات بل ينبغي أن تكون لحظة مراجعة وطنية شجاعة يتم فيها الاعتراف بالأخطاء وتصحيح المسارات واستعادة المعنى الحقيقي للوحدة باعتبارها مشروعا للعدالة والكرامة والتنمية لا مجرد صيغة شكلية للحكم.
فالوحدة التي صمدت لعقود رغم العواصف والمؤامرات تستحق اليوم أن تنقذ من العبث وأن يعاد بناؤها على أسس أكثر رسوخا وعدالة.
لقد دفع اليمنيون ثمنا باهظا من دمائهم وتضحياتهم في سبيل الحفاظ على وطنهم الواحد ومن المؤلم أن يرى المواطن اليوم بلاده تتآكل أمام عينيه بفعل الانقسامات والصراعات والمشاريع الضيقة.

ومع ذلك فإن الأمل لا يزال قائما ما دامت هناك أصوات وطنية تؤمن بأن اليمن أكبر من كل الأزمات وأن وحدته ليست مجرد خيار سياسي مؤقت بل قدر تاريخي وحقيقة راسخة في وجدان شعبه.
وفي ظل هذا الواقع المضطرب تبقى الوحدة اليمنية طوق النجاة الأخير ليس لأنها خالية من الأخطاء بل لأنها الإطار الوحيد القادر على حماية اليمن من السقوط النهائي في مستنقع التفكك والضياع.

وما أحوج اليمنيين اليوم إلى استعادة روح الثاني والعشرين من مايو لا بوصفها ذكرى احتفالية عابرة بل كمشروع إنقاذ وطني يعيد للدولة هيبتها وللمواطن كرامته وللوطن وحدته التي بدونها لن يكون هناك يمن يتسع للجميع.

حول الموقع

سام برس