بقلم/ العميد. د/ حسن حسين محمد ا
لم تكن الوحدة اليمنية المباركة في الثاني والعشرين من مايو 1990م مجرد حدث بروتوكولي أو دمج إداري عابر، بل كانت تجلياً عبقرياً لانصهار الجغرافيا والتاريخ، والتحاماً لجسد واحد مزقته قوى التشطير وعقود الاستعمار. إنها النبض الوجداني وحلم الآباء والأجداد الذي تحول إلى حقيقة راسخة قهرت عهود العزلة؛ ليعلن اليمنيون للعالم أن هذه الأرض — مهد الحضارات ومنارة الإيمان — لا يستقيم حالها ولا يستقر قرارها إلا بوحدتها وطهارة ترابها.

أولاً: الاصطفاف العقدي.. الوحدة فريضة شرعية وضرورة وجودية
إن من أعظم غايات الشريعة الإسلامية الغراء جمع الكلمة وألفة القلوب، وبها تذوب النعرات وتتحقق مصالح الدين والدنيا. فالوحدة في فقهنا الإسلامي ليست خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل هي ثابت عقدي وإلزام رباني، صدع به البيان الإلهي في محكم التنزيل: *(وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ)* [آل عمران:103]، وحذرنا سبحانه من مغبة التنازع والتمزق فقال: *(ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)* [الأنفال:46]. وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: *((مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم كمثَل الجسدِ الواحد..))*.

وكما بينا تفصيلاً في مؤلفاتنا السابقة — لا سيما في سلسلة "الحقوق والحريات في الإسلام" وكتاب "الرسالة الوطنية: مضامينها واتجاهاتها وموجباتها" — فإن حراسة الوطن والحفاظ على سلامة أراضيه واجب متأكد على كل ذي عقل راجح وفطرة سليمة. إن التفريط في الوحدة هو خيانة للهوية، ولدماء الشهداء، ونقض للغزل بعد قوة أنكاثاً، ولا يخدم سوى أعداء الأمة الطامعين.

ثانياً: وهج المنجز.. حين أحيت الوحدة شرايين الأرض والإنسان
إن القراءة المنصفة للستة والثلاثين عاماً المنصرمة تؤكد بالأرقام والشواهد أن الوحدة فتحت آفاقاً رحبة للتنمية والاستثمار لم يكن لها أن تتحقق في عهود التشطير الضيقة. لقد أوجدت الوحدة سوقاً محلية ديمغرافية شاسعة، مكّنت رأس المال الوطني ورجال المال والأعمال من التحرك بحرية وأمان عبر شبكة طرقات حديثة ربطت كافة المحافظات.

وبفضل هذا التدفق الجغرافي، رأينا المزارع في الحديدة يبيع منتجاته في حضرموت والمهرة، وثمار صعدة وتعز وإب وذمار وصنعاء تغمر الأسواق وتجد طريقها للتصدير الإقليمي من موز ومانجو ورمان وبن يمني عريق. لقد تحول وادي مأرب، بفضل القنوات المتفرعة من السد، إلى واحة استثمارية جاذبة، وانتعشت صناعة الأسمنت عبر مصانع وطنية في حضرموت، ولحج، وباجل، وعمران، وتعز، وحجة، ناهيك عن استغلال خيرات البحار وتأسيس شركات طيران خاصة. كل هذه الطاقات الإنتاجية كان محركها الأساسي وشرط نجاحها هو "الوحدة الجغرافية والاقتصادية للبلاد".

ثالثاً: واقع التفتيت المرير.. ومخططات الوكلاء الإقليميين
اليوم، ونحن نحتفي بالذكرى السادسة والثلاثين، يجد اليمن نفسه في مهب رياح عاتية ومؤامرات تدمي القلوب، تقودها قوى سياسية وميليشياوية ارتمت في أحضان الأعداء التاريخيين للبلاد. لقد استبدلت هذه القوى المصلحة العليا للوطن بالارتزاق الرخيص وتنفيذ إملاءات جيوسياسية تخدم عواصم التدخل والعدوان، والتي تلعب دور الوكيل الإقليمي لأجندات الصهيونية العالمية العازمة على الهيمنة على مضيق باب المندب وخليج عدن وجزيرة سقطرى، بل ووصل الاستهتار السيادي إلى محاولات عسكرة الجزر اليمنية الحيوية ونهب مقدراتها.
إن مشاريع التشظي والفرقة التي يروج لها البعض بأموال مشبوهة، وبخطاب إعلامي ملغوم لزعزعة النسيج الاجتماعي تحت دعاوى واهية، ليست إلا محاولة بائسة لفرض كانتونات صغيرة خاضعة للمستعمر الأجنبي، وإعادة اليمن القهقرى إلى ما قبل عهد الدولة.

رابعاً: حتمية النهوض.. اليمن يمرض ولا يموت
رغم قتامة المشهد وعقد كامل من الحروب والفرقة، إلا أن قراءة التاريخ اليمني تمنحنا يقيناً لا يتزعزع بأن هذا البلد العظيم قد يمرض ولكنه لا يموت؛ إذ يمتلك قدرة "الفينيق" على الانبعاث من تحت الرماد. إن أنظارنا تتجه دوماً نحو جهود السلام الشامل القائم على العدل، والمواطنة المتساوية، والشراكة الحقيقية؛ لتفويت الفرصة على الطامعين.
> إن اليمن هو "الثابت الأكيد"، والمشاكل والأزمات السياسية هي "المتحول والمتغير".

خاتمة الرسالة
يا أبناء اليمن الأحرار، في شمال الوطن وجنوبه، تشبثوا بوحدتكم الوطنية وعضوا عليها بالنواجذ؛ فالمصير واحد والخندق واحد، وقد بلغ السيل الزبى وعانينا جميعاً الأمرين. إن التحدي اليوم لا يكمن في استعادة "شكل" الوحدة فحسب، بل في استعادة "روحها" بحماية ثرواتها الوطنية التي هي ملك للشعب وركيزة لاستقرار المنطقة والعالم.
ونقول لكل الغزاة وأدواتهم: هذه بلاد سام، مقبرة الغزاة، ولن يبيع أبناؤها الأوفياء هويتهم الكريمة، وسيبقى شعبنا وجيشنا السياج الفولاذي الذي يقطع دابر المتطاولين، لينهض اليمن من جديد وطناً واحداً، عزيزاً، مهاباً، ومستقراً.
سدّد الله الخطى، وبارك في الجهود، وحفظ الله اليمن واحداً موحداً إلى يوم الدين.

*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني بالجمهورية اليمنية

حول الموقع

سام برس