بقلم/ يحيى محمد القحطاني
اليمنيون مدبّرين من يوم خلقهم الله، حروبٌ تستنزف الأعمار، وصراعاتٌ تمزّق الوطن، وأزماتٌ تتراكم فوق بعضها، وحروبٌ شبه دائمة يكتوي بنارها اليمنيون نتيجة التآمر السعودي والتدخلات الإقليمية والدولية، وتضارب المصالح التي جعلت من اليمن ساحةً للصراعات وتصفية الحسابات، حتى بات المواطن عاجزًا عن استيعاب ما يجري حوله، فضلًا عن القدرة على مواجهة تداعياته.
والمفارقة أن ما يعيشه اليمنيون منذ فترة من مواجهات واشتباكات مسلّحة في عددٍ من المحافظات، وما تخلّفه من قلقٍ ومعاناة شهداء وجرحى، لا يبدو كافيًا، حتى تمتد أوجاعهم إلى تفاصيل حياتهم اليومية، بفعل ممارسات كان بالإمكان تجنّبها، لو أدرك أصحابها أن مراعاة الآخرين ليست ترفًا، وأن الفوضى لا تصبح مقبولة لمجرد ارتباطها بعادة أو مناسبة اجتماعية.
خذوا الأعراس مثالًا؛ فقد تحوّلت في بعض أحياء أمانة العاصمة إلى مصدرٍ للإزعاج يتجاوز أصحاب المناسبة إلى أحياءٍ بأكملها. وما حدث ليلة أمس شاهدٌ على ذلك؛ إذ تصاعدت أصوات مكبرات الصوت، ودوت الألعاب النارية، واستمر الضجيج حتى منتصف الليل وما بعده، دون مراعاة لمريضٍ يحتاج إلى الراحة، أو طفلٍ ينتظر النوم، أو مواطنٍ أنهكه يومه ولا يريد سوى أن ينعم ببعض الهدوء في منزله.
المشكلة أن البعض لا يكتفي بفرحته، بل يريد للحي بأكمله أن يشارك فيها، ولو كرهًا. وكأن الاحتفال لا يكتمل إلا إذا سمعه الجميع، وكأن إقامة العرس تمنح صاحبه الحق في إزعاج السكان وحرمانهم من النوم. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بالفرح أو العادات والتقاليد، بل بسلوكٍ يضع الرغبة الشخصية فوق حقوق الآخرين.
ليس المطلوب أن يتخلّى الناس عن أفراحهم، ولا أن تتحوّل المناسبات الاجتماعية إلى مناسبات صامتة، وإنما أن تُمارَس بقدرٍ من المسؤولية، وألّا تتحول فرحة البعض إلى معاناةٍ لغيرهم. فمن حق الناس أن يحتفلوا، لكن ليس من حقهم أن يفرضوا ضجيجهم على الآخرين، أو أن يجعلوا من الأحياء السكنية ساحاتٍ مفتوحة للإزعاج حتى ساعات متأخرة من الليل.
وهكذا، لا تكفي اليمنيين الحروب والأزمات وما خلّفته من أوجاع، حتى يأتي بعضهم بسلوكياتٍ تزيد الحياة ضيقًا، وتنتزع من الناس ما تبقّى لهم من راحة وسكينة. أليس الأجدر بنا، في وطنٍ أثقلته الصراعات، أن نكون أرحم ببعضنا، وأن نخفّف عن بعضنا ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، بدلًا من أن نصنع بأيدينا أوجاعًا جديدة؟
يبدو أن اليمنيين مدبّرين من يوم خلقهم الله؛ مرةً من مصائب لا يد لهم فيها، ومرةً من تصرفات بعضهم التي لا ترحمهم.
والله من وراء القصد.


























