سام برس
في عالم السياسة تجد الكثير من الظواهر السيئة والسلبية المولودة من رحم التضليل من بينها مرض مستشري لدى النُخب اليمنية ، عندما تسيل الدموع " الثورية" وترتفع المؤثرات الصوتية ويزداد الالم والوجع والتباكي والتعاطف مع هذا الرئيس او ذلك الزعيم بصورة غير عقلانية ، ويذرف الانتهازيون والمزايدون وأصحاب المصالح والمتعصبون في طابور الانتقام والفجور السياسي والقروي والمناطقي دموع "التماسيح" ، ليس غالباً من أجل قضية شهيد اليمن الذي بكت عليه " السماء" والارض ، ورجل الدولة المدنية وقلبها النابض إبراهيم محمد الحمدي ، وانما نكاية في مَن أتى بعده من الرؤساء أو سيطرة ذلك الحزب او حساسية البعض من الهضبة ..

تلك الثقافة الضيقة والعدوانية التي تحمل طابع عنصري وتحريضي تشرب منها السواد الاعظم من اليساريين والتقدميين والقوميين الذين رأوا ان " الانقلابات" الدموووية والدبابة هي الطريق الوحيد للوصول الى السلطة كحق حصري للاشتراكي و الناصري والبعث تحت نغمة انا أفضل منك ، وكذلك الجماعات والاحزاب الايدلوجية كالاصلاح والحوثيين والهاشميين من أصحاب الخلافة والولاية كحق آلهي وغيرهم من المؤدلجين ..

كل ذلك النفاق والنحيب والبكاء والصراخ واليافطات الموسمية والسنوية ليس حباً وألماً وحزناً على "طائر اليمن "المذبوح" الذي تفرجوا على ازهاق روحة في الغداء الاخير لشعب أختزلت قضيته في أغتيال الشهيد الحمدي وانما وجد المقامرون وتجار السياسة والازمات والنكبات " حائط مبكى " ، لاثارة واستعطاف الشعب والمتاجرة بقضية قتل الحمدي كنوع من الضغوط السياسية والصفقات الداخلية والخارجية الرابحة وتصفية الحسابات المناطقية والقروية والمذهبية ، رغم مشاهدة القصة الصادمة وصمت أقرب المقربون مذبحة الفيلم المأساوي كاملاً في حينه دون اللجؤ الى العدالة الدولية او الانتقام و المواجهة او خوض معركة ضد القتلة ، ولكنهم فضلوا سنوياً أحياء "طقوس" الافلاس السياسي والاخلاقي وتكرار المشاهد بدم الشهيد الحمدي في كل مناسبة وطنية وذكرى اغتياله الصادم والمرعب ، في محاولة للاثارة واستعطاف الشعب المثقل بالازمات والضغط على الحاكم أو تأزم علاقاتهم ومصالحهم مع السعودية الذين كانوا يصفونها بالرجعية واليوم في أحضانها يطوفون في فنادقها ويسبحون بحمدها بكرة واصيلا، رغم ان الشعب اليمني يحب الحمدي من القلب الى القلب بعفوية وبعيداً عن المزايدة والاثارة والمتاجرة والمؤثرات السياسية.

تم ضيافة الرئيس ابراهيم الحمدي واخيه عبدالله قائد قوات العمالقة وقائد المدرعات علي قناف زهرة وآخرين وفق المخطط والسيناريو المُعد وتم تصفيته وقتله في بيت الغشمي بحسب مايتم تداوله بينما الحماية الجسدية والمرافقين وأمن الرئيس والاتصالات واعز الاصدقاء والاوفياء أكثر صمتاً وغارقين في العسل أو خارج اطار التغطية ، والغريب انه لم يطلق قادة الناصريون العسكريون والامنيون واستخباراتهم وقادتهم في المظلات والعمالقة والعاصفة والمدرعات ومليشياتهم المسيطرين على زمام الامور رصاصة واحدة ، في حين كان الناصريون متعودين على الخطابات الاستهلالكية ومنشغلين بالتنظير ورعب الملاحقات والسجون بأستثناء المظاهرات التي خرجت في صنعاء وتعز وغيرها من المدن اليمنية من جميع الاحزاب وفي مقدمتها الشعب اليمني مودعاً جنازة الشهيد الحمدي المغدور به .. مرددين أين الحمدي ياغشمي .. انت القاتل ياغشمي .. والاحذي تتساقط على سيارة الغشمي حتى تم مواراة جسدة الطاهر بمقبرة الشهداء بصنعاء في ذلك اليوم الذي سادت فيه لغة الصمت والرعب والخوف ودموع الوفاء ، حتى الجو تحول الى كئيب ونوع من الضيق وكأن الامآل المعقودة على ذلك الرئيس ومشروعه نًسفت نسفاً تارة بتوحش الاغتيال واخرى بسلبية ومزايدة وهروب قيادات الناصريين وثالثة بالطابو الخامس الذي استغل قضية الحمدي منذ اغتياله وحتى اليوم بتحويل قضية الرئيس الحمدي الى مادة استهلاكية للترويج والابتزاز والمتاجرة وتصفية الحسابات .

لانخوض في سيرة الرؤساء والرموز الوطنية والاجتماعية ، تجنباً لحساسية الطرح وردود الافعال وتسييس الحديث وحُمى التعصب الحزبي والقروي والمناطقي والشللي وكارثة الجهل والتصنيف والاتهامات المسبقة وعدم احترام حرية الرأي والرأي الآخر وردود الافعال المتشنجة والحماقة التي أعيت من يداويها ، في نقد تجربة رئيس أو زعيم حزب -سياسي ام شيخ .. أورجل دين أو مفكر ، لاسيما المؤثرين والشعبويين الذين لمعتهم امبراطورية اعلام الدولة والاحزاب والاقليم وتجار الازمات ، ولكن بعد ان أصبح الشهيد ابراهيم الحمدي مادة استهلاكية للمزايدة والفجور وورقة للابتزاز من قبل بعض التيارات والاحزاب السياسية والقوى المناطقية خلال العقود المنصرمة ليس لوجه الله تعالى .. اندفعت لان اكسر قاعدة الصمت وأدلي بوجهة نظرررري حتى لا تتحول قضية الحمدي الى حائط مبكى ومناسبة وذكرى للتذكير بأن الناصريين في عمق الحدث .. فالذي يحب ابراهيم الحمدي يتمسك بالمبادئ الناصرية العظيمة واخلاقيات ونزاهته الحمدي وتواضعه وحبه للوطن وليس للحزب وبعيداً عن القروية والمناطقية او الشللية ومراكز القوى التي تجيد ترديد الطقوس ولفت الانظار بعد ان تجردت من مبادئها السامية وأهدافها النبيلة وأصبحت ابعد مايكون عن المبادئ الناصرية واقرب مايكون الى تقمص دور "الحرباء" في التلون ، ولعب الادوار بصورة مل منها الشعب.

الحديث عن مسيرة الرئيس اليمني ابراهيم محمد الحمدي بإيجابياتها وسلبياتها خطير وحساس جداً ويصل الى درجة المغامرة لدى الحزب الناصري وقياداته وقواعده وبعض القوى السياسية اليمنية التي تُردد اسم الحمدي وتتخندق وتتعصب له من باب المزايدة والفجور وتتحدث عن رجل الدولة المدنية والانجازات والسيرة الحافلة ورجل الوحدة وحركة 13 يونيو التصحيحية وحرية الصحافة وبناء المؤسسات والخطة الخمسية ، والمنجزات المتواضعة ليس الهدف الحقيقي أعترافاً أو اجلالاً لتلك القامة أو الدفاع عن شخص الزعيم ابراهيم الحمدي كرجل دولة مدنية وقائد محنك ورجل تنمية ومتواضع ونزيه وحزبي من الطراز الاول أ و شهادة "إيزو" لعيون الحمدي من قبل بعض قادة ونُخب الاحزاب الاشتراكية والبعثية والاخوانية والهاشمية والمؤتمريين والمنظرين والايدلوجيين والسياسيين والمفكرين والمثقفين والاعلاميين المعتقين الذين يلعبون بالبيضة والحجر ويجيدون فنون التضليل والتدليس لهذا الطرف او ذلك ، وانما للمتاجرة بعد عشرات السنين من الفشل في كشف الحقيقة ..

في تصوري ان هؤلاء المناضلين الافتراضيين في حديثهم الروتيني او احتفالاتهم السنوية عن انجازات ومظلومية الحمدي لوكانوا صادقين وأكثر وفاء وعدالة لكونوا لجاناً قانونية وسياسية ودبلوماسية وانسانية واجتماعية وقضائية وعمموا قضية الحمدي الى الامم المتحدة وكافة المنظمات الحقوقية والانسانية العربية والدولية وفي الاعلام وفي الطليعة " الحزب الناصررررري" الذي يملك جيش من المفكرين والاكاديميين ورجال الصحافة والقانون وصانعي العلاقات الضاربة ، وانما يأتي الاحتفاء والذكر والاصطفاف والاثارة وكراهية الاحزاب اليسارية والتقدمية والقومية التي كانت على خلاف مع الامبريالية الامريكية و منهم الحليف "السعودي" الذي دخل الرئيس الحمدي في خلاف سياسي وجغرافي مع الرياض من حيث حدود الركن اليماني وأمن البحر الاحمر والوحدة اليمنية بالصبغة الاشتراكية ، واختلافهم مع الرئيس احمد الغشمي الاقرب الى التوجه السعودي والمتهم بضيافة وتصفية الرئيس الحمدي في منزله في ضلاع ، كما يقال بحضور رجل السعودية والحاكم الاول في اليمن صالح الهديان .

كما وجدث القيادات الراديكالية للاحزاب اليسارية والقومية والتقدمية غايتها في اعلان الحرب على مشايخ اليمن ، كجزء من الصراع بين القطبين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ، لاسيما بعد تدخل المشايخ في السلطة وبعد ان أصبحوا دولة داخل الدولة ، وفي الطليعة الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر ، والشيخ سنان ابولحوم ، والشيخ مجاهد ابوشوارب وغيرهم ممن أجبرهم الرئيس ابراهيم الحمدي على أحترام قوانين الدولة أو مغادرة العاصمة صنعاء في مغامرة خطيرة ، أدت الى تجييش وتأليب المشايخ والعقال والاعيان والقبائل ضد الرئيس ابراهيم الحمدي ونظامه ودخول السعودية على خط الازمة لدعم احمد الغشمي والمشايخ ما أضعف الدولة وجعل حدود العاصمة صنعاء الى منطقة "الازرقين" ، وقيام خلايا قبلية بتفجيرات هنا وهناك لضرب الاستقرار في صنعاء ، وهو ما سارع بتنفيذ مخطط تصفية الرئيس الحمدي قبل توحيد اليمن .

والقارئ الحصيف والمتابع المستقل يلحظ ان أكثر ما استغل قضية اسشهاد واغتيال الرئيس الحمدي رغم عدالتها وكونها اولوية وضياع العدالة الدولية هو الحقد والفجور السياسي والبُعد القروي والايدلوجي ، ومحاولة الانتقام من الرئيس الاسبق علي عبدالله صالح والضغط عليه وتشويه سمعته واتهامه بالمشاركة في عملية القتل رغم انه حتى اللحظة لم يخرج دليل رسمي قاطع ومؤكد بالصوت والصورة أو شهادة حقيقية ومنصفه ومحايدة ودامغة لاجدال فيها لا حد الذين قاموا بتصفية الحمدي ورفاقه خلال الغداء الاخير أو كشف امريكا وبريطانيا وفرنسا عن وثائق سرية تدين فلان او زعطان ، رغم وقوع الجريمة السياسية النكراء.

اتحدث كصحفي ورجل قانووون عن دليل قانووووني ، ولا يهمني الدفاع عن صالح او غير صالح أو الحزب الناصري وغيره لان الرئيسان الحمدي وصالح بين يدي الله وثالثهما الغشمي التي وقعت الجريمة في منزلة والرابع الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر والخامس صالح الهديان ، والحزب الناصري لم يستطع يتغلب على عقدة الشعور بالذنب أو الانتقام من صالح الذي تمكن من افشال الانقلاب الناصري وشكل صدمة للحزب وتفكيكه ماغذى فيه روح الانتقام ونشر الكراهية ضده ونظام حكمه واستغلال مقتل الحمدي .. وليس الحديث عن اثارة في الصحف الحزبية والمؤتمرات الممولة أو مجرد مجابر اعلامية وشهادات ملفقة ومجزأة ومفبركة في مقايل قات ومجالس قالت .. قلتي .. فلان قال .. فلانه قالت .. وكلمة ..اشك انه كان موجود ..دخل بالسيارة .. خرج .. طلع .. نزل وانما العالم يتعامل بالادلة الدامغة والوقائع.

يشهد الله انني شخصياً أشفق على اسرة بيت الحمدي العظيمة من حالات الاستغلال التي حولت البعض منهم الى مادة اعلامية للاستهلاك لكل طاهش وناهش مع الاسف الشديد ، وهذه الاسرة الكريمة التي دفعت ضريبة كبرى تدرك في نفس الوقت رغم جراحها وألمها ووجعها بلاحدود بعض أصحاب المصالح السياسية التي قلوبهم مع الحسين وسيوفهم مع معاوية وهو أقرب تشبيه للظواهر الصوتية اليوم ، ولكنها أصبحت عاجزة عن حالة الرد للمزايدين بكلمة " كفى" ماذا عملتم خلال قرابة أكثر من أربعة عقود؟..

والحقيقة التي لاجدال فيها ان الحمدي رجل دولة وتنمية واعمار وشجاع والقلب النابض لمشروع اليمن الكبير ، وكان ومازال يمثل أمل اليمنيين وعقلهم التنويري وحكمتهم البالغة والانسان الذي يحمل كل معاني اللطف والنُبل والقيم والتواضع والبساطة والاحساس والرحمة والرزانة والعقلية الناضجة والنظام والادارة والنشاط بما يملكه من طاقة ومشروع اليمن الجديد الذي تم القضاء عليه ودفنه في وقته ثم اضاعه وفرط فيه من يدعون انهم حُماة الناصرية ، رغم احترامي الكبير لبعض القيادات والقواعد المحافظة والنادرة التي ماتزال على عهدها ولم تتغير في زمن التحولات..

لا جدال ان الحمدي رجل سبتمبري وجمهوري ووحدوي من الطراز الاول ، وكان ينعت ويهاجم الرجعية الملكية وينتقد نظام الامامة وبيت حميد الدين في خطاباته الثورية وفي المعسكرات والمؤتمرات وعلى الهواء مباشرة ، مما حقد عليه الكثير من الملكيين والاماميين والهاشميين وغيرهم ، ورغم ذلك يحتفلون بيوم أغتياله واستشهاده ليس حباً فيه وانما كراهية في الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي نفس الشيء كان ينتقد الملكيين والحكم الامامي في كل مناسبة مذكراً بالثالوث الرهيب رغم بقاء وتعيين الملكيين واحفادهم من الهاشميين في قيادة وادارة مناصب الدولة العليا والقضاء والاجهزة الامنية والاستخبارية وحرسه الخاص واعلامه ، وكذلك حزب التجمع اليمني للاصلاح " اخوان اليمن" الذين تقلدوا الكثير من المناصب العليا وأجهزة الامن يرون فيه الرئيس المخالف للدين بمدنيته وعلاقة الحزب الناصري في اليمن بالحركة الناصرية في مصر ونظام عبدالناصر الذين كفروه وغيرذلك ..

والحقيقة انهم لايؤمنون بالسلال بأعتباره خائن للعهد كما يقولون، ولا بالارياني ولا الحمدي ولا الغشمي ولا صالح ولا عبدربه وانما بالحق الالهي ، ورغم ذلك يخوضون مع الخائضين يرفعون صور الحمدي وقضيته كمن يرفع قميص عثمان عليه السلام ، الى جانب الاشتراكيين والناصريين والبعثيين وغيرهم ممن يعملون على استغلال الحدث وأصبحوا ناصريين بالاسم بعد ان باعوا المبادئ والقيم الناصرية لتحقيق مآرب أخرى .

وللحديث بقية ..

[email protected]

حول الموقع

سام برس