سام برس
تأتي هذه الأبيات كمرآةٍ لحقيقة الوجود، وصورةٍ ناطقة عن تقلبات الأيام التي لا تستقر على حال.
هي رسالة طمأنينة للمنكسرين، وتذكرة للمتمكنين، بأن دوام الحال من المحال، وأن خيوط القدر تحيك من ثوب الصبر والفاقة تيجان النفوذ والرفعة؛ فسبحان من يُعز ويُذل، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.

شعر: القاضي د. حسن حسين الرصابي

رَأيتُ الدَهرَ دَوّاراً يَدورُ * فَلا يَبقى عَلَى حالٍ سُرورُ
وَلا بؤسٌ يَدومُ بِهِ وَلَكِن * هِيَ الأَيّامُ لِلبَلوى سُفورُ
إِذا مالَ الزَمانُ عَلَيكَ فَاِصبِر * وَلا تَجزَع فَلِلعُسرِ انشِقاقُ
وَكُن جَلداً بَصيراً في الأُمورِ * فَإِنَّ الصَبرَ لِلنَصرِ اِستِباقُ
وَكَم مِن نِعمَةٍ زالَت سَريعاً * وَكَم مِن مِحنةٍ فيها عِتاقُ
فَلا تَأمَن لِدُنياكَ انقِلاباً * فَإِنَّ غُدورَها فيها نِفاقُ
وَحافِظ عَلى دينِكَ وَالمُروءَة * فَهَذا ما بِهِ العِزُّ يُساقُ
إِذا اشتَدَّ الزَمانُ رَأيتَ حُرّاً * يُواسي مَن بِهِ ضيقٌ وَذاقوا
نَمَت في الشِدَّةِ الرَّحِمُ اِتِّصَالاً * وَسادَ التَّاجُ إِذ عَزَّ الوفاقُ
فَمَن ذاقَ الرَّخاءَ فَلَم يُبالِ * بِآلامِ الوَرى.. فَهو المُعاقُ
سُمُوُّ الرُّوحِ في بَذلٍ وَرِفقٍ * وَلَيسَ لِمَادَةِ الدُّنيا بَقاقُ
فَكُلُّ مَصالِحِ الأَموالِ تَفنى * وَيَبقى الوُدُّ مَا اِشتَدَّ السِّياقُ
وَعِش في الضِّيقِ مَرفوعَ التَّنادي * فَإِنَّ النَّفسَ لِلعَليا تُواقُ
وَلا تَحزَن لِأَرزاقٍ تَوَلَّت * فَإِنَّ الرِّزقَ يَكتُبُهُ الخَلاقُ
رَصيدُ الحُرِّ أَخلاقٌ وَدِينٌ * تُنجِّيهِ إِذا حُمَّ الفِراقُ
تَميدُ الأَرضُ تَحتَ الخَلقِ لَكِن * عِمادُ الروحِ لِلحَقِّ اِعتِناقُ
لَئِن عَصَفَت رِياحُ البُؤسِ يَوماً * فَثِق بِاللَّهِ، فَالفرَجُ اِندِفاقُ
هِيَ الأَيّامُ تَمضي في مَداها * وَعُقباها مِنَ الضِّيقِ اِنعِتاقُ
فَيا مَن يَبني لِلأَزماتِ رُكناً * بغيرِ الفضلِ لَيسَ لَهُ اِتِّساقُ
فَمَوتُ المَرءِ في العَلياءِ فَوزٌ * وَعَيشُ الذُّلِّ مَوتٌ وَاِختِناقُ
وَكَم مِن مُعسِرٍ قَد كانَ طريداً * يُطارِدُهُ العَناءُ وَالاحتِراقُ
غَدَا اليَومَ في صَدرِ النَّوادي * لَهُ النفوذُ وَالعِزُّ السَّحاقُ
أَتَتهُ الدَّولَةُ طَوعاً وَحُكماً * وَبَعدَ الشَّتِّ تَمَّ لَهُ الوفاقُ
فَلَا تَعجَب لِصُنعِ اللَّهِ فِينا * إِذا شَاءَ اسْتَقامَ لَكَ السِّباقُ
كَذَا الأَيَّامُ تَمضِي مُسرِعَاتٍ * وَنُورُ الحَقِّ لِلظَّلماءِ مَاقُ

خاتمة القصيدة
بهذا الاختتام، تكتمل اللوحة الشعرية لتؤكد أن النفوذ والجاه ليسا إلا أمانةً واختباراً، وأن من ذاق مرارة المطاردة والفقر هو الأجدر برعاية الخلق حين يُمكّنه الخالق. إنها دعوة للتواضع في القمة، واليقين في القاع؛ فسبحان من بيده مقاليد الأمور، يُبدل العسر يسراً، ويجعل من الضعف قوةً ومن المطاردةِ سيادةً.
هوامش القصيدة وإيضاحات لغوية
أولاً: معاني المفردات:
سُفور: كشف وإظهار؛ أي أن الأيام تكشف عن وجه الابتلاء.
عِتاق: التحرر والنجاة؛ والمقصود أن المحنة قد تكون سبباً في عتق الروح من الغفلة.
بَقاق: ما لا دوام له ولا بقاء، والشيء الهش الزائل.
حُمَّ الفراق: قُدّر ووقع أوانه (من الحِمام وهو الموت).
العِزُّ السَّحاق: الشامخ المرتفع جداً (من السحق وهو الطول الفارع في اللغة).
مَاق: من المحق؛ أي مُبيد ومُزيل لظلام الباطل.
ثانياً: النظرة النقدية:
تُعد القصيدة نموذجاً لـ "شعر الحكمة والمقامات"، حيث تمزج بين الوعظ الإيماني والواقعيّة السياسية والاجتماعية. استخدم الشاعر بحر "البسيط" الذي أتاح له مساحة للتأمل، واعتمد على "بنية التضاد" (العسر/اليسر، الذل/العز) لإبراز حركية الدهر. كما قدم النص تعريفاً جديداً "للإعاقة" بأنها عدم المبالاة بآلام الناس، في حين ربط بين "المعاناة السابقة" و"كفاءة التمكين"، مما يجعل القصيدة وثيقة أخلاقية لكل من تولى مسؤولية أو واجه أزمة.

حول الموقع

سام برس