بقلم/ العميد د. حسن حسين الرصابي
لا تدور رحى الحروب المعاصرة في ميادين القتال التقليدية فحسب، بل إن أخطر جبهاتها هي تلك التي تستهدف "الإنسان" في يقينه، وعقيدته، وروحه المعنوية. وفي الصراع الدائم والمحتدم حالياً بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، نشهد ذروة ما يمكن تسميته بـ "الحرب النفسية الشاملة"، التي لا تسعى لتدمير المواقع العسكرية بقدر ما تسعى لتفكيك الإرادة السياسية والقتالية، والشعبية من الداخل.

التوظيف الاستراتيجي للوسائل الملتوية
تعتمد القوى المقابلة في هذه المواجهة على ترسانة من الوسائل النفسية التي تتجاوز التهديد المباشر، لتصل إلى "الأساليب الملتوية" التي تهدف إلى إحداث شلل معنوي، ومن أبرزها:
* استراتيجية "الإنكشاف المعلوماتي": عبر تسريب معلومات استخباراتية دقيقة (سواء كانت حقيقية أو مفبركة بعناية) توحي للخصم بأن منظومته الأمنية والقيادية مخترقة بالكامل. هذا النوع من "الإرهاب الذهني" يولد حالة من الشك المتبادل داخل دوائر صنع القرار.

* التصعيد الرمزي والمكاني: إن اختيار توقيت وأماكن العمليات الأمنية أو السيبرانية لا يحمل قيمة عسكرية فقط، بل قيمة "نفسية صاعقة" تهدف إلى كسر الهيبة وتصوير الكيان كطرف عاجز عن حماية عمقه الاستراتيجي.
* الحرب الاقتصادية كأداة ضغط نفسي: لا تهدف العقوبات فقط إلى تجفيف المنبع المالي، بل هي وسيلة نفسية لخلق حالة من "الاغتراب" بين المواطن ونظامه، عبر تصوير القيادة كسبب رئيسي لمعاناة الفرد اليومية.
الإعلام والسوشيال ميديا.. غرف عمليات رقمية
لقد انتقل دور الإعلام من "ناقل للخبر" إلى "صانع للميدان". وفي الحرب الحالية، نجد أن الإعلام التقليدي (الفضائيات والوكالات العالمية) يتولى مهمة "تأطير الصراع" دولياً، بينما تقوم وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) بالدور الأخطر في الحرب النفسية الموجهة للداخل من خلال:

* الجيوش الإلكترونية (Bots): توظيف مئات الآلاف من الحسابات الوهمية لبث شائعات عن انهيارات وشيكة، لخلق حالة من الهلع الجماعي (Mass Panic).
* تقنيات التزييف العميق (Deepfake): التي باتت تُستخدم لتزييف تصريحات لقادة أو فبركة مشاهد دمار، مما يجعل من الصعب على المواطن العادي التمييز بين الحقيقة والتضليل، ويؤدي في النهاية إلى حالة من "اللامبالاة" أو "اليأس المطلق".
المشروعية الدولية ومنزلقات "العدوان النفسي"
لا تنفصل الحرب النفسية في جوهرها عن الإطار القانوني الدولي، إذ يبرز هنا تساؤل جوهري حول الحدود الفاصلة بين "الدعاية السياسية" المسموح بها وبين "العدوان النفسي" الذي يجرمه الإسلام ويجرمه القانون الدولي الإنساني. إن توظيف الإشاعات الممنهجة وترهيب المدنيين عبر الوسائل الرقمية والسيبرانية يُعد انتهاكاً صارخاً لمبادئ السيادة الوطنية، ويتنافى مع "ميثاق الأمم المتحدة" الذي يحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول وزعزعة استقرارها الاجتماعي.

بموجب قواعد "اتفاقيات جنيف"، يُحظر القيام بأعمال تهدف إلى بث الذعر بين السكان المدنيين. إن ما نشهده اليوم هو "إرهاب رقمي" عابر للحدود، يستوجب صياغة تشريعات دولية رادعة تُجرم "الاغتيال المعنوي" للأمم، وتعتبر الحرب النفسية الممنهجة جريمة عدوان مكتملة الأركان، لا تقل خطورة عن العدوان العسكري المباشر.
شل المعنويات.. الهدف النهائي
إن الهدف من توظيف هذه الأدوات ليس بالضرورة دفع الخصم للاستسلام الفوري، بل إيصاله إلى حالة من "العجز المكتسب"؛ حيث يشعر الطرف المستهدف أن أي فعل يقوم به، مهما كان قوياً، لن يغير من النتيجة المحتومة.
إننا أمام حرب "عقول" بامتياز، تستخدم أرقى ما وصلت إليه التكنولوجيا النفسية لكسر "عقيدة الصمود". لذا، فإن الوعي بآليات هذه الحرب وأساليبها الملتوية هو خط الدفاع الأول والوحيد للحفاظ على تماسك الجبهات الداخلية في وجه الأعاصير الرقمية والنفسية العاتية.
*مؤلف كتاب "الحرب النفسية وسائلها وأساليبها الملتوية"

حول الموقع

سام برس