بقلم / عادل حويس
في ظل الحديث المتواصل عن تطوير التعليم والارتقاء بمخرجاته ما زال النموذج المدرسي السائد يعاني خللا بنيويا عميقا يتمثل في اختزاله العملية التعليمية في بعدها الأكاديمي النظري وكأن المدرسة مصنع لحفظ المعلومات واجتياز الاختبارات لا أكثر.
هذا النهج وإن بدا منسجما مع معايير التقييم التقليدية يتجاهل عن قصد أو عن غير قصد مكونات أساسية في بناء شخصية الطالب المتوازنة وعلى رأسها الفنون والموسيقى والتربية الرياضية وهي مواد يتعامل معها في كثير من مدارسنا باعتبارها ترفا يمكن الاستغناء عنه عند أول ضغط في الجدول أو المنهج.
إن تغييب حصص الرسم والموسيقى والرياضة لا يعني فقط حرمان الطالب من أنشطة جانبية بل يعني فعليا إغلاق نوافذ حيوية للتعبير.. والإبداع.. والتوازن النفسي والجسدي.
فالرسم على سبيل المثال ليس نشاطا شكليا يقاس بجمال اللوحة أو دقة الخطوط بل هو لغة بديلة يعبر من خلالها الطالب عن ذاته ووسيلة فعالة لاكتشاف ميوله ومشاعره وقدراته الإبداعية.
عبر الألوان والأشكال يتعلم الطفل كيف يلاحظ وكيف يربط وكيف يرى العالم من زوايا متعددة وهي مهارات جوهرية لأي عقل قادر على الابتكار وحل المشكلات. تجاهل هذه المادة هو في جوهره تجاهل لدور المدرسة في تنمية الخيال وهو أحد أهم محركات التقدم الإنساني.
الأمر ذاته ينطبق على الموسيقى التي تختزل في أذهان البعض على أنها ترف أو هواية لا ضرورة لها في المسار التعليمي الجاد. والحقيقة أن الموسيقى أداة تربوية بالغة الأثر تسهم في تنمية الذاكرة وتعزيز التركيز وضبط الإيقاع الداخلي للطالب فضلا عن دورها في تهذيب الذائقة الجمالية وتنظيم المشاعر. كما أنها وسيلة فعالة لتعزيز الانتماء الثقافي والهوية الوطنية من خلال التعريف بالموروث الموسيقي وهو جانب لا يقل أهمية عن حفظ النصوص أو التواريخ.
إن إقصاء الموسيقى من المدرسة يترك فراغا وجدانيا واضحا ويدفع الطالب للبحث عن بدائل خارج الإطار التربوي المنضبط.
أما التربية الرياضية، فهي أكثر المواد التي يساء فهم دورها إذ ينظر إليها غالبا كحصة لتفريغ الطاقة أو كاستراحة بين حصتين “جادّتين”.
والحقيقة أن الرياضة تمثل ركيزة أساسية في بناء الإنسان السليم جسديا ونفسيا واجتماعيا. من خلالها يتعلم الطالب الانضباط.. واحترام القواعد..والعمل الجماعي.. وقبول الخسارة قبل الفوز. وهي قيم لا يمكن ترسيخها عبر الكتب وحدها. كما أن النشاط البدني المنتظم يعد خط الدفاع الأول ضد مشكلات صحية متنامية مثل السمنة والخمول وضد الضغوط النفسية الناتجة عن كثافة المناهج والاختبارات.
وعند تأمل الواقع التعليمي تتضح صورة مقلقة. ففي كثير من المدارس الحكومية تعاني هذه المواد من تهميش واضح بسبب نقص الكوادر المتخصصة وغياب المرافق المهيأة وازدحام الفصول إضافة إلى عقلية إدارية ترى أن الأولوية المطلقة يجب أن تمنح للمواد الأكاديمية التي تدخل في الاختبارات النهائية.
وفي المقابل ورغم أن بعض المدارس الخاصة تمتلك بنية تحتية أفضل إلا أن هذه المواد غالبا ما تقدم بشكل صوري أو اختياري أو تحصر في فئة محدودة من الطلبة الموهوبين وكأن الإبداع والرياضة حق امتيازي لا حق تربوي عام.
هذا الواقع يكشف عن خلل في الفلسفة التعليمية نفسها لا في الإمكانات فقط. فالتعليم المتوازن لا يقوم على حشو العقول بالمعلومات بل على بناء الإنسان في أبعاده كافة.
ومن هنا فإن معالجة هذا الخلل تتطلب قرارا شجاعا ورؤية واضحة من صانع القرار التربوي تعيد الاعتبار للفنون والموسيقى والرياضة بوصفها مواد أساسية لا تقل أهمية عن الرياضيات أو العلوم.
كما تتطلب هذه الرؤية استثمارا حقيقيا في تأهيل المعلمين المتخصصين وتوفير بيئات تعليمية مناسبة وتطوير مناهج حديثة تقيس الأثر التربوي لهذه المواد بوضوح لا أن تتركها رهينة الاجتهادات الفردية.
إن المدرسة التي تخلو من الألوان وتصمت فيها الأنغام وتغيب عنها الحركة لا يمكن أن تخرج أجيالا متوازنة وقادرة على الإبداع. قد تخرج طلابا ناجحين في الاختبارات لكنها تتركهم فقراء في أدوات التعبير وضعفاء في مواجهة ضغوط الحياة ومحدودي الأفق في التفكير الخلاق.
إن الاستثمار في هذه الجوانب ليس ترفا تربويا بل ضرورة وطنية لبناء إنسان سوي ومجتمع أكثر صحة وقدرة على الابتكار وتناغما مع ذاته.
لقد آن الأوان لأن تعود هذه المواد إلى مكانها الطبيعي: في صميم العملية التعليمية لا على هامشها.


























