بقلم/ العميد / حسن حسين الرصابي
يُشكل البحر الأحمر في المنظور الاستراتيجي الحديث "قلب العالم" النابض بالتجارة والطاقة، وهو ما يجعله دوماً في مرمى الأطماع الغربية والصهيونية. ومنذ عقود، ونحن نرقب محاولات اختراق هذا الممر الملاحي الهام، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن فصل جديد من فصول الصراع، يتطلب قراءة دقيقة للمتغيرات ومواقف القوى الإقليمية.
تحجيم الأدوار وحماية الأمن القومي
لقد برزت في الآونة الأخيرة تحركات سعودية جادة عندما استشعرت الرياض أن التواجد الإماراتي في الجزر والسواحل اليمنية بدأ يتجاوز حدود "التحالف" ليتحول إلى تهديد مباشر لأمنها القومي ومصالحها الحيوية. هذا الإدراك دفع القيادة السعودية للتحرك عسكرياً وسياسياً لضبط هذا النفوذ وحماية خارطتها الأمنية.

بيد أن التحدي الأكبر لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ جاء الإعلان عن مساعي كيان الاحتلال الصهيوني للاعتراف بما يسمى "إقليم أرض الصومال" كدولة مستقلة، مع عزم الكيان على إنشاء قواعد عسكرية في تلك المنطقة الحساسة. إن هذا التغلغل الصهيوني في الضفة المقابلة لليمن والسعودية يمثل "طوقاً أمنياً" يحاول الاحتلال فرضه لخنق المنطقة والتحكم في ممراتها المائية.
زيارة "ساعر" واستراتيجية "الذراع الطويلة"
وفي خطوة وُصفت بالاستفزازية، وصل وزير خارجية الاحتلال الصهيوني "جدعون ساعر" مؤخراً إلى إقليم "أرض الصومال" الانفصالي، في زيارة تكرس اعتراف "تل أبيب" بهذا الكيان رغم الرفض الدولي والإقليمي. هذه الزيارة ليست مجرد دبلوماسية عابرة، بل هي تدشين لمرحلة "التطويق المباشر"؛ إذ كشفت تقارير عسكرية عبرية (مثل صحيفة معاريف) أن الاحتلال يرى في التواجد هناك فرصة لتسهيل عمليات هجومية في عمق اليمن، ومنح سلاح الجو الصهيوني خيارات عملياتية أوسع عند مضيق باب المندب.
هذا التوغل الذي أدانته الحكومة الفيدرالية في مقديشو واعتبرته انتهاكاً لسيادتها، يضع أمن الملاحة الدولية في مهب الريح، خاصة مع تحذيرات صنعاء الصريحة على لسان السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، الذي أعلن أن أي وجود صهيوني في "أرض الصومال" سيكون هدفاً مشروعاً ومباشراً للقوات المسلحة اليمنية.
التهديد الصهيوني في الصومال.. والرد المفترض
أمام هذا التهديد الاستراتيجي، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام اختبار حقيقي. فإذا كان التواجد الإماراتي قد استدعى تحركاً، فإن التواجد الصهيوني في الصومال يعد خطراً وجودياً لا يمس الرياض وحدها، بل يمس أمن كل الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل ستتحرك السعودية لمواجهة هذا التمدد؟
الإجابة تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ؛ نعم، ستتحرك، ولكن بـ "دبلوماسية الضرورة" وأدوات التأثير غير المباشر، بعيداً عن المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تتحاشاها الرياض لاعتبارات دولية معقدة.
مسارات المواجهة والخيارات المتاحة
لمواجهة هذا المخطط الصهيوني، لا بد من سلوك مسارين متوازيين:
* المسار الصومالي: عبر تقديم دعم عسكري ومادي سخي للحكومة الفيدرالية في مقديشو، لتمكينها من بسط سيادتها ومنع تمزيق وحدة الصومال الذي يخدم الأجندة الصهيونية.
* المسار اليمني (صنعاء): وهذا هو المتغير الأهم؛ فقد أثبتت صنعاء أنها "الرقم الصعب" والوحيد القادر على فرض معادلة ردع عسكري حقيقي ضد التواجد الصهيوني. إن التهديد الصهيوني للمنطقة لا يكمن فقط في الضرر المباشر، بل في "التآكل طويل الأمد" الذي سيصيب طرق الشحن، وهو ما يجعل خيار المقاومة من الضفة اليمنية ضرورة استراتيجية للجميع.
نحو خندق واحد: الرياض وصنعاء
إن الرهان على إضعاف صنعاء أو الوقوف موقف المتفرج أمام مواجهة محتملة بينها وبين الكيان الصهيوني هو "رهان خاسر" وقراءة قاصرة للواقع. فالتكلفة الباهظة لأي اختراق صهيوني ستحملها المنطقة بأكملها على المدى المتوسط والبعيد، وتأخير الحسم سيعني ارتفاع تكاليف النقل وتأمين طرق لا يمكن حمايتها بالكامل.
لذلك، أرى من موقع القراءة التحليلية للمشهد، أننا أمام انفراجة وشيكة وحتمية في العلاقات بين الرياض وصنعاء. إن ضرورة حماية "البيت العربي" من الاختراق الصهيوني ستدفع الطرفين لتجاوز رواسب الماضي والوصول إلى تسوية شاملة للأزمة اليمنية.
ختاماً:
بعد أن نجحت الرياض في تقليص النفوذ الإماراتي، فإن منطق "الأمن القومي المشترك" يفرض اليوم تقارباً تاريخياً مع صنعاء. ولا ينبغي لنا أن نستغرب إذا ما رأينا العاصمتين في المستقبل القريب تقفان في خندق واحد لحماية سيادة البحر الأحمر وتطهيره من الأجندات الصهيونية العابرة للحدود، فالمعركة القادمة هي معركة بقاء وسيادة بامتياز.

حول الموقع

سام برس